Selasa, 21 Desember 2010

ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟


http://www.sonna3ma.com/forums/showthread.php?t=2560


سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة و أحيان شتى .



سؤال اختلاف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه ، و اختلاف سلوكهم تبعاً لاختلاف أجوبتهم ، فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ، و لكل لون من ألوان الموسيقي مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده .



و منهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنية عند سماع أية أغنية قائلاً : إن الغناء مزمار الشيطان ، و لهو الحديث و يصد عن ذكر الله و عن الصلاة‌ و خاصة‌ إذا كان المغني امرأة ، فالمرأة – عندهم – صوتها عورة بغير الغناء ، فكيف بالغناء ؟ و يستدلون لذلك بآيات و أحاديث و أقوال .



و من هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى ، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار .



ووقف فرين ثالث متردداً بين الفريقين ؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة ،‌ وإلى أولئك طوراً ، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير ، الذي يتعلق بعواطف الناس و حياتهم اليومية ، و خصوصاً بعد أن دخلت الإذاعة – المسموعة والمرئية – على الناس بيوتهم ، بجدها و هزلها ، و جذبت إليها أسماعهم بأغانيها و موسيقاها طوعاً و كرهاً .



و الغناء‌ بآية – أي مع الموسيقى – و بغير آلة : مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى ، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى .



اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية ، إذ الغناء ليس إلا كلاماً فحسنه حسن ، و قبيحه قبيح و كل قول يشتمل على حرام ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟

و اتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات و الإثارة ، و ذلك في مواطن السرور المروعة ، كالعرس ، وقدوم الغائب ، و أيام الأعياد . . .



ونحوها ، بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها .

و قد وردت في ذلك نصوص صريحة – سنذكرها فيما بعد . و اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً بيناً : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة و بغير آلة ، ومنهم من منعه منعاً باتاً بآلة و بغير آلة‌ ، و عده حراماً ، بل ريما ارتقي به إلى درجة « الكبيرة » .



و لأهمية الموضوع نرى لزاماً علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل ، و نلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة ، حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام ، متبعاً للدليل الناصع ، لا مقلداً قول قائل ، و بذلك يكون على بينة من أمره ، و بصيرة من دينه .






فلسطين تحت الحصار
كتب
خطب ومحاضرات
برامج ولقاءات
مقالات
ندوات ومؤتمرات
أخبار القرضاوي
فتاوى وأحكام
شعر وأدب
في رمضان
أخبار الموقع
حول القرضاوي
وثائق وبيانات

للإعلان في الموقع
ساهم في تطوير الموقع
مواعيد البرامج التلفزيونية
اربط موقعك بصفحات القرضاوي
مركز المساعدة
اتصل بنا
منتديات النقاش
تصويت




الأصل في الأشياء الإباحة

قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى : ( هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الُأَرُضِ جَمِيعَاَ ) (البقرة (29) ) ، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله ( صلي الله عليه و آله و سلم ) ، أو إجماع ثابت متيقن ، فإذا لم يرد نص ولا إجماع . أو ورد نص صريح غير صحيح ، أو صحيح غير صحيح ، بتحريم شيء من الأشياء ، لم يؤثر ذلك في حله ، و بقي في دائرة العفو الواسعة ، قال تعالى : ( وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ ) (الأنعام (119)) . و قال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، و ما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً » ، و تلا : ( وَ مَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ (رواه الحاكم عن أبي الدر داء و صححه ، و أخرجه البزّار – و الآية من سورة مريم(64) ) .



و قال : « إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، و سكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » (أخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني ، و حسنه الحافظ أبو بكر ا لسمعا ني في أماليه ، والنووي في الأربعين .).



و إذ كانت هذه هي القاعدة ، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء ، و ما موقف المجيزين منها ؟



أدلة المحرمين للغناء و مناقشتها

( أ ) استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود و ابن عباس و بعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين) لقمان (6) ) ؛ و فسروا لهو الحديث بالغناء .



قال ابن حزم : « ولا حجة في هذا لوجوه :

أحدها : أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) .

و الثاني : أنه قر خالف غير هم من الصاحبة و التابعين .

والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ؛ لأن فيها : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا ) ، و هذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله هزواً .



قال : « و لو أن امرءاً اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ، و يتخذه هزواً ، لكان كافراً ! فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، و ما ذم قط – عز و جل – من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بفول هؤلاء ، و كذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن ،أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فساق عاص لله تعالى ، و من لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن » (المحلى لابن حزم : 9/60 ) .



(ب) و استلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين : ( وَ إِذَا سَمِعواُ اللّغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه ) القصص(55) ، و الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه .



و يجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم و نحو ذلك ، و بقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ ) القصص (55) ، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وَ إِذَا خَاطَبَهم الُجَاهِلونَ قَالواُ سَلَمَا) الفرقان (63)

.

و لو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه تمدحه ،‌و ليس فيها ما يوجب ذلك.

و كلمة «اللغو » ككلمة « الباطل » تعني ما لا فائدة فيه ، و سماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً ، أو يشغل عن واجب .

روي عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ؛ لأنه شبيه باللغو ، قال تعالى : (لا يؤَخِذ كم اللَه بِالَلغُو ِفِي أَيُمَانَكمُ ) (البقرة : 225 ، المائدة : 89 .) .



قال الإمام الغزالي : « إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه و لا تصميم ، و المخالفة فيه – مع أنه لا فائدة فيه – لا يؤاخذ به ، فكيف يؤاخذ بالشعر و الرقص » ؟ ! (- إحياء علوم الدين ، كتاب « السماع » ص 1147 – طبعة دار الشعب بمصر).



على أننا نقول : ليس كل غناءٍ لغواً ؛ إنه يأخذ حكمه و فق نية صاحبه ، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة ، و المزح طاعة ، و النية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة . باطنه الرياء : « إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم » (رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، كتاب « البر و الصلة و الآداب » ، باب : تحريم ظلم المسلم) .



و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » ردا على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ و لا سبيل إلى قسم ثالث ،‌ و قد قال الله تعالى : ( فَمَا ذَا بَعُدَ الُحَقِ إلا الضَلال ) يونس( 32) ، فجوابنا – و بالله التوفيق - : أن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) قال : « إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرىء ما نوى » (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ، و هو أول حديث في صحيح البخاري . )



فمن نوى باستماع الغناء ، و من نوى به ترويح نفسه ، ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل ، و ينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن ، و فعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طالعة و لا معصية فهو لغو معفو عنه ، كخروج الإنسان إلى بستانه ، و قعوده على باب داره متفرجاً و صبغه ثوبه لا زورديّاً أو أخضر أو غير ذلك ، و مد ساقه و قبضها ، و سائر أفعاله » (المحلى : 9/60) .



( ج ) و استدلوا بحديث : « كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، و تأديبه فرسه ، و رميه عن قوسه » (رواه أصحاب السنن الأربعة ، و فيه اضطراب . قاله الحافظ العراقي في تخريج أحاديث « الإحياء » .) .



و الغناء خارج عن هذه الثلاثة .

و أجاب المجوزون بضعف الحديث ، ولو صح لما كان فيه حجة ، فإن قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم ، بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن أبي الدر داء قوله : « إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق » . على أن الحصر في الثلاثة غير مراد ، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة و هم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة ، و قد ثبت في الصحيح ، و لا شك أن التفرج في البساتين و سماع أصوات الطيور ، و أنواع المداعبات مما يلهو به الرحل ، لا يحرم عليه شيء منها ،و إن جاز و صفه بأنه باطل .



( د ) و استدلوا بالحديث الذي رواه البخاري – معلقاً – عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري – شك من الراوي – عن النبي علنه الصلاة و السلام قال : « ليكو نن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر : بكسر الحاء و تخفيف الراء - : أي الفرج ، و المعنى : يستحلون الزنى . و رواية البخاري : الخزّ.)



والحرير والخمر والمعازف». والمعازف: الملاهي ، أو آلات العزف.

و الحديث و إن كان في صحيح البخاري : إلا أنه من « المعلقات » لا من « المسندات المتصلة »‌ و لذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده و مع التعليق فقد قالوا : إن سنده و متنه لم يسلما من الاضطراب .



و قد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ، ووصله بالفعل من تسع طرق ، و لكنها جميعاً تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ، ألا و هو : هشام ابن عمار (النظر : تغليق التعليق – للحافظ ابن حجر : 5/17 – 22 ، تحقيق سعيد القزقي – طبع المكتب الإسلامي و دار عمار . ) . و هو – و إن كان خطيب دمشق و مقرئها و محدثها وعالمها ، ووثقه ابن معين و العجلي – فقد قال عنه أبو داود : حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها .



و قال أبو حاتم : صدوق و قد تغير ، فكان كل ما دفع إليه قرأه ،‌ و كل ما لقنه تلقّن . و كذلك قال ابن سيار .

و قال الإمام أحمد : طياش خفيف .

و قال النسائي : لا بأس به ( و هذا ليس بتوثيق مطلق ) .

و رغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر (- انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ( 4/302 ) ترجمة ( 9234 ) ، و في « تهذيب التهذيب » ( 51/11 – 54 ) . ) .

وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر !

و مثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع ، و خصوصاً في أمر عمت به البلوى .

و رغم ما في ثبوته من الكلام ،‌فقي دلالة كلام آخر؛ فكلمة «المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي ،وهذه مجملة ، وقيل : آلات العزف .



ولو سلّمنا بأن معناها : آلات الطرب المعروفة‌ بآلات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة « المعازف » لأن عبارة « يستحلون » - كما ذكر ابن العربي – لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال ، والثاني : أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعني الحقيقي ، لكان كفراً ، فإن استحلال الحرام المقطوع به – مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » كفر بالإجمال .



و لو سلمنا بدلالتها على الحرمة ، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر و الحرير و الخمر و المعازف ، أو كل فرد منها على حدة ؟ و الأول هو الراجح . فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف و الليالي الحمراء ، و شرب الخمور . فهم بين خمر نساء ، و لهو و غناء ، و خزّ و حرير . و لذا روي ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بالفظ : « ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف و المعنيات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم القردة و الخنازير » ،‌ و كذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، و البخاري في تاريخه .



و كل من روي الحديث من طريق غير هشام ابن عمار ، جعل الوعيد على شرب الخمر ، و ما المعازف إلا مكملة و تابعة .



( هـ ) و استدلوا بحديث عائشة : « إن الله تعالى حرم القينة ( أي الجارية 9 و بيعها و ثمنها ‌و تعليمها » .

و الجواب عن ذلك :



أولاً : أن الحديث ضعيف ، و كل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف (انظر : تضعيف ابن حزم لهذه الأحاديث و تعليقه عليها في « المحلى » : 9/56 – 59 .) .



ثانياً : قال الغزالي : « المراد بالقينة الجارية التي تغني للدجال في مجلس الشرب ، و غناء‌ الأجنبية للفسّاق و من يخاف عليهم الفتنة حرام ،‌ و هم لا يقصدون بالفتنة إلا ما محذور . فأما غناء الجارية لمالكها ، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة ، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها (الإحياء ص 1148 .)



ثالثاً : كان هؤلاء‌ القيان المغنيات يكون عنصراً هاماً من نظام الرقيق ، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجياً ، فلم يكن يتفق و هذه الحكومة : إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي ، فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » ، و بيعها ،‌ و المنع منه ، فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد .



( و ) و استدلوا بما روي نافع : أن ابن عمر سمع صوت زمارة‌ راع أصبعيه في أذنية ،‌و عدل راحلته عن الطريق ، و هو يقول : يا نافع أستمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلت : لا . فرفع يده و عدل راحلته إلى الطريق ،‌ و قال : « رأيت رسول الله ( صلى الله عليه و آل و سلم ) يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا » .



و الحديث قال عنه أبو داود : حديث منكر .

و لو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم ، فلو كان سماع المزمار حراماً ما أباح النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن عمر سماعه ، و لو كان عند ابن عمر حراماً ما أباح لنافع سماعه ، و لأمر عليه السلام بمنع و تغيير هذا المنكر ، فإقرار النبي ( صلي الله عليه و آل و سلم ) لا بن الحلال .



و إنما تجنب – عليه السلام – سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا ، كتجنبه الأكل متكئاً ،‌ و أن يبيت عنده دينار أو درهم . . . إلخ .



( ز ) واستدلوا أيضاً بما روي : « إن الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثاً عن نبي ( صلى الله عليه وآل و سلم ) و إنما ثبت قولاً لبعض الصحابة أو التابعين ، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال – وبخاصة الصوفية - : إن الغناء يرقق القلب ، ويبعث الحزن والندم علي المعصية ،‌ و يهيج الشوق إلى الله تعالى ، و لهذا اتخذوه وسيلة‌ لتجديد نفوسهم ، و تنشيط عزائمهم ، و إثارة أشوقهم . قالوا : و هذا أمر لا يعرف إلا بالذوق و التجربة و الممارسة ، و من ذاق عرف ، و ليس الخبر كالعيان !

على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع ، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره ، و يروج صوته عليه ، و لا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه . و مع هذا قال الغزالي : « و ذلك لا يوجب تحريماً ، فإن لبس الثياب الجميلة ، و ركوب الخيل المهملجة ، و سائر أنواع الزينة ، و لا يطلق القول بتحريم ذلك كله ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي ، بل إن المباحات ، التي هي مواقع نظر الخلق ، أكثر تأثيراً » (الإحياء : كتاب « السماع » ص 1151 . )‌ .



( ح ) و استدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة‌ ،‌ بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة ،‌ و قد كان النساء يسألن رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) في ملاٍ من أصحابه ، و كان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين و يستفتونهن و يفتينهم ويحدثنهم ،‌و لم يقل أحد : إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة‌ يجب أن تستر . مع أن نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غير هن.



وقال تعالى : ( وًقلُنَ قَوُلاَ‌ مَّعُروفَاَ) الأحزاب (‌32 ) .

فإن قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء ‌، قلنا : روي في الصحيحين أن النبي ( صلى الله عليه و آل و سلم ) سمع غناء الجاريتين و لم ينكر عليهما ، و قال لأبي بكر : « دعهما » ، و قد سمع ابن جعفر و غيره من الصحابة و التابعين الجواري يغنين .



( ط ) و استدلوا بحديث الترمذي عن علًّى مرفوعاً : « إذا فعلت أمتي خمس عشرة‌ خصلة ، حلّ تها البلاء . . . » ، وذكر منها : « واتخذت القينات و المعازف » ، و الحديث متفق على ضعفه ،‌فلا حجة فيه .



و الخلاصة

أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح ، أو صريح غير صحيح . و لم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يصلح دليلاً للتحريم ، و كل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية و المالكية و الحنابلة و الشافعية .



قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شيء .

و كذا قال الغزالي و ابن النحوي في العمدة .

و قال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .

و قال ابن حزم : « و لا يصح في هذا الباب شيء ، و كل ما فيه فموضوع . و والله لو أسند جمعية ، أو واحد منه فأكثر ، من طريق الثقات إلى رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ،‌ لما ترددنا في الأخذ به » (انظر « المحلى » : 9/59 .) .

Selasa, 30 November 2010

الرد على من يحرم لبس الحروز من كتاب الله أو ذكر الله

ا Print E-mail

العجب العجاب أن مجسمة هذا العصر يمنعون من هذه التعاويذ والحروز التي ليس فيها إلا شيء من القرءان أو ذكر الله ويقطعونها من أعناق من يحملها قائلين: هذا شرك, فبماذا يحكمون على عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره من الصحابة الذين كانوا يعلقون هذه على أعناق أطفالهم الذين لم يبلغوا, أيحكمون عليهم بالشرك, وماذا يقولون في أحمد بن حنبل الذي سمح بها, وماذا يقولون في الإمام المجتهد ابن المنذر.

كفاهم خزيا أن يعتبروا ما كان عليه السلف شركا.

الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التمائم و الرقى التي فيها شرك أو كلام قبيح أما الرقى التي فيها اسم الله, أو قراءة قرءان, وذكر الله, فهو جائز.

كذلك أسماء أهل الكهف, أسماء أهل الكهف فيها بركة, بعض العلماء المتقدمين, ومنهم صلاح الدين الصفدي, الذي كان قبل ثمانمائة سنة, قال في كتابه ذخائر القصر إن هذه الأسماء تنفع هذا ينفع لكذا وهذا لكذا وهذا لكذا.

كذلك أسماء الملائكة كجبريل وإسرافيل وعزرائيل وميكائيل فيها بركة.

من كتب أسماءهم وعلّقها فهو جائز.

وأما الذي لا يجوز فهو كتابة أسماء النجوم, ورؤساء الشياطين, شياطين الإنس والجن لا يجوز التبرك بهم.

التمائم التي نهى الرسول عنها, هي خرزات, العرب الذين كانوا مشركين قبل أن يسلموا ويؤمنوا بالرسول, كانوا يُعلقونها على أولادهم, على زعمهم تدفع العين بدون مشيئة الله, لا يعتقدون أن الله بمشيئته يدفع الأذى عمن يعلق الخرزات. كانوا يعتقدون أنها تدفع الأذى بذاتها.

وها هي أقوال علماء أهل السنة والجماعة تشهد على ما نقول..

فقد روى الحافظ ابن حجر في الأمالي عن محمد بن يحيى بن حبان – بفتح المهملة وتشديد الموحدة – وهو الأنصاري أن خالد بن الوليد كان يأرق من الليل, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون. قال: هذا مرسل صحيح الإسناد أخرجه ابن السني.

وروى عن محمد بن يحيى بن حبان أن الوليد بن الوليد بن المغيرة شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث نفس يجده فقال: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة فذكره سواء وزاد في ءاخره: فوالذي نفسي بيده لا يضرك شيء حتى تصبح, قال: وهذا مرسل صحيح الإسناد أخرجه البغوي.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع, وفي رواية إسماعيل: إذا فزع أحدكم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون, وكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من بنيه أن يقولها عند نومه ومن لم يبلغ كتبها ثم علّقها في عنقه.

قال الحافظ: هذا حديث حسن أخرجه الترمذي عن علي بن حجر, عن إسماعيل ابن عباس, وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس عن يزيد بن هارون. اهـ.

وأما الحديث الذي رواه أبو داود:{ إن الرقى والتمائم والتولة شرك}, فليس معناه التمائم والتعاويذ التي فيها قرءان أو ذكر الله لكن مجسمة هذا العصر حرّفت الحديث, والتمائم معروف معناه في اللغة وهي الخرز كانت الجاهلية تضعها على أعناق الغلمان, كما أن الرقى التي قال الرسول إنها شرك هي رُقى الجاهلية وما كان في معناها, وليس المراد بها الرّقى التي فعلها الرسول وغيره من الصحابة.

فانظروا أيها المسلمون كيف يحرّفون الكلم عن مواضعه.

وفي كتاب مسائل الإمام أحمد لأبي داود السجستاني ما نصه:{ أخبرنا أبو بكر, قال حدثنا أبو داود, قال: رأيت على ابن لأحمد وهو صغير تميمة – أي حرز – في رقبته من أديم.

أخبرنا أبو بكر, قال: حدثنا أبو داود, سمعت أحمد سئل عن الرجل يكتب القرءان في شيء ثم يغسله ويشربه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يكتبه في شيء ثم يغسله فيغتسل به؟ قال: لم أسمع فيه شيء}. اهـ.

وفي كتاب معرفة العلل وأحكام الرجال عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:{ حدثني أبي, قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة, قال: أخبرني إسماعيل بن أبي خالد, عن فراس, عن الشعبي قال: لا بأس بالتعويذ من القرءان يعلق على الإنسان}. اهـ.

وقال عبد الله بن أحمد – في كتاب مسائل الإمام أحمد لعبد الله بن أحمد بن حنبل – :{ رأيت أبي يكتب التعاويذ للذي يصرع وللحمى لأهله وقراباته, ويكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام أو شيء نظيف, ويكتب حديث ابن عباس, إلا أنه كان يفعل ذلك عند وقوع البلاء, ولم أره يفعل قبل وقوع البلاء, ورأيته يعوّذ في الماء ويُشربه المريض, ويصب على رأسه منه, ورأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبّلها, وأحسب أني قد رأيته يضعها على رأسه وعينه, فغمسها في الماء ثم شربه يستشفي به, ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها إليه أبو يعقوب بن سليمان بن جعفر فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها, رأيته غير مرة يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح يديه ووجهه}. اهـ.

وفي مصنف ابن أبي شيبة ما نصه:{ حدثنا أبو بكر قال: حدثنا علي بن مسهر, عن ابن أبي ليلى عن الحكم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولدها, فيكتب هاتين الآيتين والكلمات في صحفة ثم تغسل فتسقى منها:{ بسم الله لا إله إلا هو الحليم الكريم, سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم}, { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}, { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بالغ}, { فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون}.} اهـ.

قال الحافظ ابن المنذر في الأوسط:{ ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف ولبس التعويذ ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة, وقال معنى قوله:{ لا يمسه إلا المطهرون} الملائكة ،كذلك قال أنس وابن جبير ومجاهد والضحاك وأبو العالية, وقال: وقوله:{ لا يمسه إلا المطهرون} خبر بضم السين ولو كان نهيا لقال لا يمسه, واحتج بحديث أبي هريرة وحذيفة عن النبي عليه السلام أنه قال:{ المؤمن لا ينجس} والأكثر من أهل العلم على القول الأول, وقد روينا عن ابن جبير أنه بال ثم توضأ وضوءه إلا رجليه ثم أخذ المصحف. وروي عن الحسن وقتادة أنهما كانا لا يريان بأسا أن يمس الدراهم على غير وضوء يقولان جبلوا على ذلك. واحتجت هذه الفرقة بقول النبي عليه السلام لعائشة: أعطني الخمرة, قالت: إني حائض, قال:{ إن حيضتك ليست في يدك}, وبقول عائشة: كنت أغسل رأس النبي عليه السلام وأنا حائض, قال: وفي هذا دليل على أن الحائض لا تنجس ما تمس إذ ليس جميع بدنها بنجس, ولما ثبت أن بدنها غير نجس إلا الفرج ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه, وسائر البدن طاهر} اهـ.

وفي كتاب الآداب الشرعية لشمس الدين بن مفلح الحنبلي ما نصه:{ قال المروزي: شكت امرأة إلى أبي عبد الله أنها مستوحشة في بيت وحدها فكتب لها رقعة بخطه بسم الله وفاتحة الكتاب والمعوذتين وءاية الكرسي وقال كتب إليّ أبو عبد الله من الحمى: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومحمد رسول الله:{ يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. اللهم رب جبريل وميكائيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق ءامين, وقال: وقال صالح ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحا فيه ماء فيقرأ عليه ويقول لي اشرب منه واغسل وجهك ويديك. ونقل عبد الله أنه رأى أباه يعوذ في الماء ويقرأ عليه ويشربه ويصبّ على نفسه منه, قال عبد الله ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم فيستشفي به ويمسح به يديه ووجهه وقال يوسف بن موسى: إن أبا عبد الله كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ. قال أحمد يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولدها في جام أبيض أو شيء نظيف بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين { كأنهم يوم يرون يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} ثم تسقى منه وينضح ما بقي على صدرها, وروى أحمد هذا الكلام عن ابن عباس ورفعه ابن السني في عمل يوم وليلة} اهـ.

قال اللغوي الجوهري في الصحاح ما نصه:{ والتميمة: عُوِذَةٌ تعلق على الإنسان, وفي الحديث:{ من علق تيميمة فلا أتم الله له}, ويقال: هي خَرَزَة, وأما المَعاذاتُ إذا كُتب فيها القرءان وأسماء الله عز وجل فلا بأس بها} اهـ. ونقل ذلك أيضا اللغوي ابن منظور في لسان العرب.

وروى البيهقي في السنن الكبرى عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{ من علق تميمة فلا أتم الله له, ومن علق وديعة فلا ودع الله له} قال البيهقي: وهذا أيضا يرجع معناه إلى ما قال أبو عبيد, وقد يحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهية فيمن تعلقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلة منها على ما كان أهل الجاهلية يصنعون, فأما من تعلقها متبركا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أن لا كاشف إلا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها إن شاء الله.

ثم قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هارون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن طلحة بن أبي سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ليس التميمة ما يعلق قبل البلاء, إنما التميمة ما يعلق بعد البلاء ليدفع به المقادير. ورواه عبدان عن ابن المبارك وقال في متنه أنها قالت: التمائم ما علق قبل نزول البلاء, وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة. أنبأنيه أبو عبد الله إجازة أخبرني الحسن بن حليم أنبأ أبو الموجه أنبأ عبدان أنبأ عبد الله فذكره. وهذا أصح..

أخبرنا أبو زكريا وأبو بكر بن الحسن قالا حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا بحر بن نصر حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ليست التميمة ما علق بعد أن يقع البلاء. وهذا يدل على صحة رواية عبدان..

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الرحمن السلمي من أصله وأبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن سنان حدثنا عثمان بن عمر أنبأ أبو عامر الخراز عن الحسن عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه حلقه من صفر فقال:{ ما هذه؟} قال: من الواهنة, قال:{ أيسرك أن توكل إليها, انبذها عنك}.

أخبرنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه حدثنا إبراهيم بن علي حدثنا يحيى بن يحيى أنبأ وكيع عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الله بن حكيم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ من تعلق علاقة وكل إليها}.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس حدثنا هارون حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان عن أسير بن جابر قال: قال عبد الله رضي الله عنه: من تعلق شيئا وكل إليه. قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ من تعلق شيئا وكل إليه}. قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن الحجاج عن فضيل أن سعيد بن جبير كان يكتب لابنه المعاذة قال وسألت عطاء فقال: ما كنا نكرهها, إلا شيئا جاءنا من قبلكم.

أخبرنا أبو زكريا بن إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا: حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا بحر بن نصر حدثنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد أنه سأل يحيى بن سعيد عن الرقى وتعليق الكتب فقال: كان سعيد بن المسيّب يأمر بتعليق القرءان وقال: لا بأس به.

قال الشيخ – أي البيهقي – رحمه الله: وهذا كله يرجع إلى ما قلنا من أنه إن رقى بما لا يعرف أو على ما كان من أهل الجاهلية من إضافة العافية إلى الرقى لم يجز, وإن رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله متبركا به وهو يرى نزول الشفاء من الله تعالى فلا بأس به. وبالله التوفيق. اهـ

فالحديث الذي رواه أبو داود:{ إن الرقى والتمائم والتولة شرك} ليس فيه ما يذكرونه هم من أن من علق الحرز الذي فيه قرءان فقد أشرك ولو كان اعتقاده أن الضار والنافع في الحقيقة هو الله وأن الحرز لا يخلق المنفعة والمضرة ورد العين.. فكلامهم هذا مخالف للشرع.. فهم وضعوا الحديث في غير موضعه وحرفوا معناه..

وإنما معنى الحديث ما ذكره المناوي في شرح الجامع الصغير ونص عبارته بعد إيراده للحديث:{ أي من الشرك سماها شركاً لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهوداً في الجاهلية وكان مشتملاً على ما يتضمن الشرك أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك ذكره القاضي, وقال الطيبي رحمه الله: المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى وهكذا كان اعتقاد الجاهلية فلا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه ولا من علقها بذكر الله تبركاً عالماً أنه لا كاشف إلا الله فلا بأس به} اهـ.

وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي ما نصه:{ (والتمائم) جمع تميمة وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع العين ثم توسعوا فيها فسموا بها كل عوذة (والتولة) كعنبة ما يحبب المرأة إلى الرجل من السحر أي من الشرك, سماها شركا لأن المتعارف منها في عهد الجاهلية كان مشتملا على ما يتضمن الشرك, أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك أو ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون, لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى, وهكذا كان اعتقاد الجاهلية, فلا يدخل في ذلك ما كان من أسماء الله وكلامه ولا من علقها تبركا بالله عالمًا أنه لا كاشف إلا الله فلا بأس به}. اهـ.

وقال اللغوي الأزهري ما نصه:{ قلت: التمائم واحدتها تميمة وهي خَرَزات كانت الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم, وهو باطل} اهـ.

وقال ابن الأثير ما نصه:{ التمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين في زعمهم, فأبطلها الإسلام} وكذا ذكر البغوي.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري في شرح البخاري ما نصه:{ والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات, والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر, وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله, ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه}. اهـ.

وقال المفسر أبو عبد الله القرطبي ما نصه: الخامسة: قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يُرِد معلّقها بتعليقها مدافعة العين, وهذا معناه قبل أن ينـزل به شيء من العين, وعلى هذا القول جماعة أهل العلم لا يجوز عندهم أن يعلّق على الصحيح من البهائم أو بني ءادم شيء من العلائق خوف نزول العين, وكل ما يعلّق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبُرْء من الله تعالى فهو كالرّقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها. وقد روى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ إذا فَزِع أحدكم في نومه فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون}, وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم, ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه.

فإن قيل: فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ من علّق شيئا وُكِل إليه}, ورأى ابن مسعود على أمّ ولده تميمة مربوطة فجذبها جَبْذا شديدا فقطعها وقال:{ إن ءال ابن مسعود لأغنياء عن الشرك}, ثم قال:{ إن التمائم والرقى والتولة من الشرك}, قيل: ما التولة؟ قال: ما تحبّبت به لزوجها, وروى عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{ من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا}. قال الخليل بن أحمد: التميمة قلادة فيها عُوَذ, والودعة خرز, وقال أبو عمر: التميمة في كلام العرب القلادة, ومعناه عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها أن تنـزل أو لا تنـزل قبل أن تنـزل فلا أتمّ الله عليه صحته وعافيته, ومن تعلّق ودعة – وهي مثلها في المعنى – فلا ودع الله له أي فلا بارك الله له فيه من العافية, والله أعلم.

وهذا كله تحذير مما كان عليه أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء, وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل, وهو المعافي والمبتلي لا شريك له, فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم, وعن عائشة قالت: ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم, وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده, والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى.

وما روي عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرءان أشياء مأخوذة عن العراقيين والكُهّان, إذا الاستشفاء بالقرءان معلّقا وغير معلق لا يكون شركا, وقوله عليه السلام:{ من علق وُكل إليه} فمن علق القرءان ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره, لأنه تعالى هو المرغوب إليه والمتوكَّل عليه في الاستشفاء بالقرءان.

وسئل ابن المسيّب عن التعويذ أيعلّق؟ قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به, وهذا على أن المكتوب قرءان. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلّق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط, ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلق على الصبيان, وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرءان يعلّقه الإنسان}. اهـ.

وقال ابن الأثير ما نصه:{ والحديث الآخر:{ من علق تميمة فلا أتم الله له}, كأنهم كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء, وإنما جعلها شركا, لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم, فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه} اهـ.

وقال المناوي في شرح هذا الحديث ما نصه:{ (من تعلق شيئا) أي تمسك بشيء من المداواة واعتقد أنه فاعل للشفاء أو دافع للداء (وكل إليه) أي وكل الله شفاءه إلى ذلك الشيء فلا يحصل شفاؤه, أو المراد من علق شيئا من أسماء الله الصريحة فهو جائز بل مطلوب محبوب فإن من وكل إلى أسماء الله أخذ الله بيده, وأما قول ابن العربي:{ السنة في الأسماء والقرءان الذكر دون التعليق} فممنوع, أو المراد من تعلقت نفسه بمخلوق غير الله وكله الله إليه فمن أنزل حوائجه بالله والتجأ إليه وفوض أمره كله إليه كفاه كل مؤنة وقرّب عليه كل بعيد ويسر له كل عسير, ومن تعلق بغيره أو سكن إلى عمله وعقله واعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى ذلك وخذله وحرمه توفيقه وأهمله فلم تحصص مطالبه ولمن تتيسر مآربه وهذا معروف على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب} اهـ.

وقال البغوي ما نصه:{ وقال عطاء: لا يعد من التمائم ما يكتب من القرءان, وسئل سعيد بن المسيب عن المصحف الصغار يكتب فيه القرءان فيعلق على النساء والصبيان فقال: لا بأس بذلك إذا جُعل في كير من ورق أو حديد أو يخرز عليه}. اهـ.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه تحت باب "من رخّص في تعليق التعاويذ" أن سعيد بن المسيب سئل عن التعاويذ فقال: لا بأس إذا كان في أديم.

وروى عن عطاء في الحائض يكون عليها التعويذ قال: إن كان في أديم فلتنـزعه, وإن كان في قصبة فضة فإن شاءت وضعته وإن شاءت لم تضعه, وعن ثوير قال: كان مجاهد يكتب للناس التعويذ فيعلقه عليهم, وعن جعفر عن أبيه أنه كان لا يرى بأسا أن يكتب القرءان في أديم ثم علقه, وعن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسا بالشيء من القرءان, وعن أيوب أنه رأى في عضد عبيد الله بن عبد الله بن عمر خيطا, وعن عطاء قال: لا بأس أن يعلق على الصبيان فرخّص فيه, وعن يونس بن خباب قال: سألت أبا جعفر عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخّص فيه, وعن الضحاك لم يكن يرى بأسا أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعته عند الغسل وعند الغائط

وروى ابن أبي الدنيا عن حجاج قال: أخبرني من رأى سعيد بن جبير يكتب التعاويذ للناس والرجل الغير مسمى جاء مصرحا به في رواية البيهقي أنه فضيل.

ولنذكر أخيرا ما قاله الحافظ المؤرخ ابن طولون من التبرك بأسماء أهل الكهف في كتابه ذخائر القصر في ترجمة محمد بن إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن مفلح الراميني الأصل الصالحي الدمشقي الحنبلي ما نصه:{ وأنشدته ما وجدته بخط العلامة شهاب الدبن بن حجّي الدمشقي, ما أخبرنا به عنه أبو الفتح محمد بن محمد المزي, قال: أخبرنا قاضي القضاة جمال الدين أبو اليمن محمد بن أبي بكر المراغي المدني بمنـزله بها يوم الأحد الثامن والعشرين من صفر سنة ثمانمائة وخمس عشرة في أسماء أصحاب الكهف وأجاز لي روايته عنه وجميع ما يجوز له روايته (شعر):

يا من يروم عد أهل الكهف --- هم سبعة إحفظ بغير خلف

وإنما الخلف جرى في التسمية --- فخذ على المشهور منها نظميه

مُكَسلَمين تلوه أمليخا --- ومَرَطونِس شاع كن مصيخا

وبعده يا صاح يَنْيونِس رُقِم --- وسازَمُونِس فاضبطنه واستقم

وبعده دوانوانِس فاستمع --- كذاك كَشْفِيطط يليه فاتبع

وكلبهم شاع اسمه قِطمير --- ثامنهم هذا هو المشهور

فأول الأسماء إن كتبته --- بخرقة ثم إذا نبذته

وسط الحريق أخمدت نيرانه --- في الوقت قد قالوا أتى برهانه

والثاني إن كتبته وألقي --- في البحر يسكن هيجه بصدق

وإن يعلق ثالث الأسماء --- بفخذ المسافر المشاء

لم يعي ما دام عليه أبدا --- ولو سعى بالأرض في طول المدا

ويكتب الرابع أيضا يجعل --- في المال للحفظ كما قد نقلوا

وعلق الخامس بعد كتبه --- على الذي يحم وانفعه به

يا صاح واجعل سادس الأسماء --- حرزا على ذي الجيش في الهيجاء

والسابع اكتبنه في الإناء --- علقه واسقه للاصطفاء

وقال بعض العلماء نفعها --- لستة أشياء جل وقعها

فعد منها طلبا وهربا --- وللحريق مثل ما قد كتبا

ولبكاء الطفل أيضا ترقم --- في المهد تحت رأسه وترسم

كذا صداع ضربان حمى --- فاحفظ هديت ضبط هذا نظما}. اهـ.

ومن وحشية هؤلاء المجسمة أنهم يصولون ويضربون من رأوه يلبس حرزا, حتى إن غلاما في بيروت كاد بعض مجسمة هذا العصر أن يخنقه من أجل هذا.

Minggu, 21 November 2010

القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ للعلامة الشيخ محمَّد مفتاح بن صالح التجاني الإبراهيمي

القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ
للعلامة الشيخ محمَّد مفتاح بن صالح التجاني الإبراهيمي
بمناسبة حلول شهر المولد النبوي الشريف فإنه يسعدنا أن نقدم لكم كتاب "القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ" للعلامة الشيخ محمد مفتاح ولد صالح التجاني الإبراهيمي -حفظه الله ورعاه-:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بدأ بأخذ العهد لنفسه على أرواح جميع بني آدم في عالم الذَّرِّ وأشهدهم على أنفُسهم واقرَّهم على اعتقاد الربوبية المطلقة له فقال جلّ من قائل: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِِّّيَّاتِهمِْْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) ، وثَنَّى بأخذ الميثاق لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء الذين هم صفوة خلقه فقال جلّ من قائل: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ َءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُــو< أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ( وصلى الله على النبي القائل: « بُعِثْتُ من خير قرون بني آدم قَرنًا قرنًا حتى بُعثتُ من القرن الذي كنتُ فيه» رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه.

والقائل:« إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» رواه مسلم في صحيحه،عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه .

وبعد فإنّه لما صار كلُّ من هبَّ ودبَّ من جهلة الحشويين يُبدِّع ويُفسِّق جماهير المسلمين المحتفلين بمولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم سَرَّحتُ سَوامَ فكري في أدلة هؤلاء وهؤلاء فاستخلصتُ بعد تحقيق المَناط وسبر وتقسيم الأدلة على الأنماط أنّ حُجةَ المانعين لهذا العمل مبنيةٌ على عمومات ألفاظ وردت في أحاديث ذم البدع والمحدثات كحديث الشيخين عن عائشة مرفوعا: « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وحديث البخاري عن ابن مسعود موقوفا ومسلم والنسائي واللفظ له عن جابر مرفوعا« إنّ أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وحديث أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبغوي والحاكم والطبراني وتمام الرازي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعا « أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبَشِيًّا فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة », وما في معنى هذه الأحاديث وقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن عموم هذه الأحاديث مُخَصَّصٌ بحديث مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا « من سنّ في الإسلام سنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن يُنقص من أجورهم شيءٌ ... الحديث» وبحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا ... » قال الإمام النوويُّ في شرح مسلم ج6 ص 465 عند شرحه للحديث الأوّل ما لفظه: قوله صلى الله عليه وسلم «كل بدعة ضلالة» هذا عامٌّ مَخْصُوصٌ والمراد غالب البدع قال أهل اللغة : هي كلُّ شيءٍ عُمِلَ على غير مثالٍ سابقٍ قال العلماء: البدعةُ خمسة أقسام واجبةٌ ومندوبةٌ ومحرَّمةٌ ومكروهةٌ ومباحةٌ، فمن الواجبة: نظمُ أدلَّة المتكلِّمين في الردِّ على المَلاحدة والمبتدعين وشِبْهِ ذلك، ومن المندوبة: تصنيفُ الكُتُبِ وبناءُ المدارس والرُّبَطِ وغير ذلك قال : فإذا عُرِف ما ذكرتُه عُلِمَ أنّ الحديثَ من الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة ويؤكِّدُ ما قلناه قولُ عمر: نعمت البدعة. ولا يمنع كونَ الحديث عامًّا مخصوصًا قولُه كل بدعةٍ مؤكِّدًا ب (كل) بل يدخله التَّخْصِيصُ مع ذلك كقوله تعالى ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ(.

وقال أيضاج7 ص86 عند شرحه للحديث الثاني ما لفظه: وفي هذا الحديث تَخْصِيصُ قوله صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » وأَنَّ المرادَ به المحدثاتُ الباطلةُ والبدعُ المذمومةُ.
قلت: وممن صرح أيضا بِتَخْصِيصِ عموماتِ هذه الأحاديث الأُبِّيُّ في شرح مسلم ج3 ص23 والسنوسي في الحاشية عليه والسيوطي في تعليقه على سنن النسائي ج3 ص82 والصنعاني في شرح بلوغ المرام ج 2 ص103 وابنُ عَلاَّنَ في شرح رياض الصالحين ج1 ص 439 عند شروحهم لحديث جابر وكذا الكرماني في شرح البخاري ج9 ص154 عند شرحه لحديث ابن مسعود وكذا الزرقاني في شرح الموطإ ج 2 ص238 عند شرحه لقول عمر " نعمت البدعة هذه".

والحاصل: أنّ جمهورَ العلماء اتفقوا على أنّ البدع والمحدثات منقسمةٌ إلى قسمين: ممدوحٌ ومذمومٌ خلافًا لابن تيمية والشاطبي, قال الحافظُ بنُ حجرٍ في فتح الباري ج13 ص254 : قال الشافعي: البدعة بدعتان محمودةٌ ومذمومةٌ فما وافق السنة فهو محمودٌ وما خالفها فهو مذمومٌ. قال ابن حجر: وقد جاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال : المحدثاتُ ضربان ما أُحدث يخالف كتابًا أو سُنةً أو أثَرًا أو إجماعًا فهذه بدعةُ الضلال وما أُحدِث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه محدثةٌ غيرُ مذمومة .
قلت: وقد احتجَّ الشافعيُّ لهذا بما في الموطإ وصحيح البخاري من قول عمر رضي الله عنه "نعمت البدعة هذه" قاله ابن رجب الحنبليُّ في جامع العلوم والحكم ص266 وقال المنذريُّ كما في تحفة الأحوذي ج7 ص438 وكذا ابنُ دقيق العيد في شرح الأربعين النووية ص75 وابنُ عَلاَّن في شرح رياض الصالحين ج1 ص415 وابنُ العربي في عارضة الأحوذي ج10 ص147 واللفظ له : اعلموا علَّمكم الله أنّ المُحدَثَ على قسمين مُحدَثٌ ليس له أصلٌ إلا الشَّهوةُ والعملُ بمقتضى الإرادة فهذا باطلٌ قطعًا, ومُحدَثٌ بحمل النظير على النظير فهذه سُنةُ الخلفاء والأئمة الفضلاء, وليس المحدَثُ والبدعةُ مذمومًا لِلَفْظِ مُحدَثٍ وبِدعةٍ ولا لمعناها, فقد قال تعالى: ) مَا يَأْتِــيهِم مِّنْ ذِكْــــرٍ مِّـن رَّ بِّهِمْ مُحْدَثٍ (، وقال عمر: نعمت البدعة هذه، وإنما يُذَمُّ من البدعة ما خالف السنّة ويُذَمُّ من المُحدَثِ ما دعا إلى الضلال. هذه عبارته. وقال ابنُ حجر في الفتح ج13 ص253 عند شرحه لحديث ابن مسعود ما لفظه : والمُحدَثاتُ بفتح الدال جمع مُحدَثةٍ ما أُحْدِثَ وليس له أصلٌ في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعةً وما كان له أصلٌ يدل عليه الشرعُ فليس ببدعةٍ, قال: والمراد بقوله: كل بدعةٍ ضلالةٌ ما أُحْدِثَ ولا دليل له من الشرع بطريقٍ خاصٍّ ولا عامٍّ. وقال في الفتح أيضاً ج 4 ص 254 عند شرحه لقول عمر: " نعمت البدعة هذه" ما لفظه: والتحقيق أنّها إن كانت مما يندرج تحت مُستحسَنٍ في الشرع فهي حسنةٌ وإن كانت مما يندرج تحت مُستقبَحٍ في الشرع فهي مُستقبَحَةٌ وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة.
قلت: وبنحو هذا صرح أيضًا كلٌّ من الكرماني ج9 ص154 والعيني ج11 ص126 والقسطلاني ج3 ص426 في شروحهم لصحيح البخاري وكذا السيوطي ج1 ص137 والزرقاني ج1 ص238 في شرحيهما للموطأ وكذا الصنعاني في شرح بلوغ المرام ج 2 ص104 وابن عَلاَّنَ في شرح رياض الصالحين ج1 ص416 والعزُّ بنُ عبد السلام في قواعد الأحكام ج2 ص172 والقرافي في الذخيرة ج13 ص234 والشبرخيتي في شرح الأربعين النووية ص 159؛ 236 .
هذا وقد وقفتُ على مقالٍ للحَدَّادِ المسَمَّى أحمد بن الكوري من موالي قبيلة السادة الشرفاء العلويين الموريتانيين نُشِرَ في جريدة القلم الموريتانية العدد213 الصادر بتاريخ 3 يونيو 2002 ذكَر فيه أنّ ابنَ كثيرٍ ذكَر في تاريخه : البداية والنهاية أن أوَّل من احتفل بالمولد النبوي الفاطميون.
وهذا الذي عزا لتاريخ ابن كثير ليس فيه إطلاقًا, و الفاطميون كانوا يحتفلون بموالد كثيرة ولم يوافقهم أهل السنة على شيء منها إلا على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لكثرة ما اشتمل عليه من معاني تشهد لصحَّتها نصوصُ الشرع.

ومن أوائل من احتفل به من علماء أهل السنة من أهل المشرق الشيخُ الصالحُ عمر المَلاَّ الموصلي المتوفى سنة 570 فقد ذكر الحافظ أبو شامة في حوادث سنة 566 من كتاب الروضتين في أخبار الدولتين أنّ الشيخ عمر المَلاَّ هذا كان رجلاً صالحًا وكان ذا معرفةٍ بأحكام القرآن والأحاديث النبوية وكان العلماءُ والفقهاءُ والملوكُ والأمراءُ يزورونه في زاويته ويتبركون بهِمَّتِهِ ويَتَيَمَّنُونَ ببركته، وكانت له كلَّ سنة دعوةٌ يحتفل بها في أيام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر فيها صاحبُ الموصل ويحضر العلماءُ والشعراءُ وينشدون مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت:
قلت: ومن أوائل من احتفل بالمولد من علماء المغرب الفقيهان العالمان الأميران أبو العباس وابنه أبو القاسم العزفيان السَّبْتِيان وهما من الأئمة كما قال صاحب المعيار ج11 ص379. فأما الأول فقد قال عنه ابن حجر في تبصير المنتبه ج1 ص253: كان زاهدًا إمامًا مفنّنًا مُفْتِيًّا ألَّفَ كتاب المولد وجوّده مات سنة 633.
وأمّا الثاني فقد قال عنه الزركلي في الأعلام ج5 ص223: كان فقيها فاضلا, له نظم أكمل الدر المنظم , في مولد النبي المعظّم من تأليف أبيه أبى العباس بن أحمد. مات سنة 677.
قلت: وقد ذكر السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1 ص 222: أن أوَّل من أحدث الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف صاحبُ إِرْبَلْ الملك المظفر أبو سعيد كُوكْبُرِي المتوفى سنة 633.
فإن كان يعني بذلك أول من احتفل به من الملوك السُّنِّيينَ فذلك مسلَّمٌ له وإن كان يعني بذلك أول من أحتفل به مطلقا أو من احتفل به من علماء المسلمين فقد ورد في فتاوي الأزهر ج8 ص 255: عن المفتي الشيخ عطية صقر: أنّه كان يُحتفَل به بمصر فيما قبل سنة 488 . وتقدم أيضا أنّ الشيخ عمر المَلاَّ كان يحتفل به بالموصل قبل وفاته في سنة 570, وكُوكْبُرِي هذا إنما كان يحتفل به في مدينة إرْبَلْ بعد أن ولاَّه عليها صلاح الدين الأيوبي سنة 586 أي بعد وفاة الشيخ عمرا لمَلاَّ بستة عشر سنة.
هذا وكنتُ قد نفيتُ في نُسخةٍ سابقةٍ من هذا البحثِ كونَ الفاطميين هُمْ أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف وذكرتُ أنَّ أولَ من احتفل به هو الشيخ عمر المَلاَّ ثمَّ وقفتُ الآنَ على ما ورد في فتوى الأزهر السابقة من أنّه كان يُحتفَل به بمصر فيما قبل سنة 488، فأثبتُّهُ هنا، وحذفْتُ النَّفْيَ المذكور، فعلى من لديه نُسخةٌ قديمةٌ من هذا البحث أن يَرجِعَ إلى هذه النُّسخةِ فَهْيَ النُّسخةُ الصَّحيحةُ المُعتَمَدَةُ.
ثم إنّ عمل المولد هذا وإن لم يكن قد عُمِلَ به في القرون المُزَكَّّاةِ فإنَّ جمهورَ المتأخرين من علماء الأمة قد دأب على العمل به واستحسانه وحصل شبهُ إجماع عليه من غير نكيرٍ مدَّةً من الزمن حتى جاء ابنُ تيمية والفاكهانيُّ وابنُ الحاج في القرن السابع الهجري فأنكر الأوَّلانِ أصلَ عمله وأنكر الثالثُ أُمورًا رآها تَحدُثُ في المولد في زمنه ولم يُنكِرْ أصلَ عمله.
فأما ابن تيمية فإن العلماء لم يُعِيرُوا اهتمامًا لإنكاره عمل المولد لما هو معروف به عندهم من المُجازَفاتِ.
وأمَّا الفاكهانيُّ فقد كتب في منعه فتوى قصيرةً لا تبلغ كُرَّاستين وهي عاريةٌ من الدليل الشرعي المُتَنَزِّلِ على القصد حيث لم يذكر فيها من القرآن إلا آية ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) وآية (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ولم يذكر فيها من الحديث إلا حديث « بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعود غريبًا», ولا يخفى أنّ هاتين الآتين والحديث لا دليل في شيء منهم على منع عمل المولد, ولو وجد الفاكهانيُّ دليلاًً شرعِيًّا مُتَنَزِّلاً على قصده لأتى به لأنّه في مقام الاحتجاج على المنع وما سوى هاتين الآتين والحديث من كلامه مجرد آراء له غير واردة في محلها وقد أتقن السيوطي بيان بطلانها حيث ساق الفتوى المذكورة بحروفها في الحاوي للفتاوى ج1ص223-224 ثمّ ردها حرفا حرفا وممَّا قال في ردِّهَا: أمّا قولُه " لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة" فيقال عليه: نفيُ العلم لا يلزم منه نفيُ الوجود وقد استخرج له إمامُ الحُفَّاظِ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة واستخرجتُ أنا له أصلاً ثانيا وسيأتي ذكرهما بعد هذا. وقوله: " بل هو بدعةٌ أحدثها البطالون إلى قوله ولا العلماء المتدينون" يقال عليه : قد تقدم أنّه أحدثه ملكٌ عادلٌ عالمٌ وقصد به التقرب إلى الله تعالى وحضر عنده فيه العلماءُ والصلحاءُ من غير نكيرٍ منهم وارتضاه ابنُ دِحية وصنف له من أجله كتابًا, فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه.
قلت: وقد قدمـتُ أنا أيضًا أنّ الملك المذكور سبقه إلى هذا العمل من أهل السنة رجلٌ صالحٌ عارفٌ بأحكام القرآن والحديث وحضر عنده فيه العلماءُ من غير نكيرٍ منهم , وكان ذلك تحت إمرةِ مَلِكٍ سُنِّيٍّ مُتَّبِعٍ للآثار النبوية صحيحِ الاعتقاد واقفٍ عند حدود الشرع
.
وأما ابن الحاج فقد أنكر أمورًا رآها تَحدُث في الاحتفال بالمولد في زمنه ولم يُنكِرْ أصلَ عمله فقد قال في المدخل ج2 ص2-3 بعد أن أنكر استعمال آلة الطرب في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ما نصه : فكان يجبُ أن يُزاد فيه ـ يعنى شهر المولد ـ من العبادات والخير شُكرًا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النِّعَم العظيمة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم بأمته ورفقه بهم لأنَّه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرَض على أمّته رحمةً منه بهم كما وصفه المولى سبحانه وتعالى في كتابه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ), لكن أشار صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله صلى الله عليه وسلم للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال له صلى الله عليه وسلم: «ذلك يوم ولدت فيه», فتشريف هذا اليوم متضمِّنٌ لتشريف هذا الشهر الذي وُلد فيه فينبغي أن نحترمَه حق الاحترام ونُفضِّله بما فضَّل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله صلى الله عليه وسلم أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر ولقوله صلى الله عليه وسلم آدمُ ومن دونه تحت لوائي.
قال السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1 ص228 بعد أن نقل الكلامَ المتقدِّمَ وغيرَه من كلام ابن الحاج ما نصُّه : وحاصلُ ما ذكره أنَّه لم يذُمَّ المولدَ بل ذَمَّ ما يحتوى عليه من المحرَّماتِ والمُنكَراتِ, وأولُ كلامه صريحٌ في أنَّه ينبغي أن يُخَصَّ هذا الشهرُ بزيادة فعل البرِّ وكثرةِ الخيراتِ والصدقاتِ وغيرِ ذلك من وجوه القُرُباتِ, وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه, فإنَّه ليس فيه شيءٌ سوى قراء ة القرآن وإطعام الطعام وذلك خيرٌ وبِرٌّ وقُربةٌ, وأمّا قوله آخِرًا إنّه بدعةٌ فإمَّا أن يكون مُناقِضًا لما تقدم أو يُحمَل على أنّه بدعةٌ حسنةٌ كما تقدَّم تقريره في صدر الكتاب, أو يُحمَل على أنَّ فعلَ ذلك خيرٌ والبدعةُ منه نِيَّةُ المولد كما أشار إليه بقوله: فهو بدعةٌ بنفس نيَّته فقط، وبقوله: ولم يُنقل عن أحد منهم أنَّه نوى المولد, فظاهرُ هذا الكلام أنَّه كره أن ينوى به المولدَ فَقَطْ ولم يَكرَهْ عمل الطعام ودُعاء الإخوان إليه, وهذا إذا حُقِّقَ النظرُ لا يجتمع مع أول كلامه لأنَّه حثَّ فيه على زيادة فعل البِرِّ, وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى, إِذْ أوجد في هذا الشهر الشريف سيدَ المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا هو معنى نيَّة المولد فكيف يَذُمَّ هذا القدر مع الحثِّ عليه أوَّلاً, وأمَّا مجرَّد فعل البِرِّ وما ذكر معه من غير نيَّة أصلاً فإنَّه لا يكاد يُتَصَوَّرُ، ولو تُصُوِّرَ لم يكن عبادةً ولا ثوابَ فيه, إذ لا عمل إلا بنيَّةٍ، ولا نيَّةَ هنا إلاَّ الشكرُ لله تعالى على وِلادةِ هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف, وهذا معنى نِيَّةِ المولد فهي نِيَّةٌ مُستحسَنةٌ بلا شكٍّ فتأمَّلْ.
قلت: ومن الأكاذيب الواضحة ما قاله صاحبُ المقال المتقدِّمِ في جريدة القلم في عددها المذكور ولفظه: قال أبو الوليد الباجي إمام المالكية: "لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتابٍ ولا سنّةٍ ولا ينقل عمله عن أحدٍ من علماء الأمّة الذين هم القدوة في الدين بل هذا بدعةٌ أحدثها البطّالون".
قلت: هذا ليس من كلام الباجي إطلاقًا وإنّما هو من كلام الفاكهاني المذكور آنفا دلَّس فيه هذا الجاهل المتنطع وتعمَّد عزوَهُ للباجي كَذِبًا لكي يعطيه دَفْعًا أكبرَ عند السامع حيثُ إنَّ الباجي إمامٌ حافظٌ فقيهٌ أُصوليٌّ جدليٌّ و الفاكهانيُّ فقيهٌ مشارِكٌ متأخّرٌ عن الباجي بنحو قرنين ونصفٍ من الزمن. ثمّ إنّ هذا المتنطع مع تدليسه في هذا الكلام تصرَّف فيه وحذف منه البعض وهو قول الفاكهاني " المتمسكون بآثار المتقدمين" بعد قوله: " ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين".
وأما حُجَّةُ القائمين بإحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من القرآن فمنها: قوله تعالى ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أ نــبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) وقوله تعالى ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَ يَّــمِ اللَّهِ ) وقوله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وقوله تعالى: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ ) وقوله تعالى: ( وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) وقوله تعالى: ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) وقوله تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).
ففي الآية الأولى: دليلٌ على أنَّ الاستماع لقصص أنباء الرسل يثبِّتُ اللهُ به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم فنكون نحن أحوج إلى تثبيت أفئدتنا على الإيمان به وترسيخ محبته في قلوبنا بما يُقَصُّ علينا في موسم مولده المبارك من معجزاته وفضائله صلى الله عليه وسلم.
وفي الآية الثانية: الأمر بتذكير المؤمنين بأيام الله " وأيامُ الله نعماؤُهُ وبلاؤُهُ" كما في الصحيحين عن ابن عبّاس مرفوعًا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظمُ نعمةٍ أنعم الله بها على المؤمنين، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ )، ومع ذلك هو البلاء على الكافرين من طريق النظر لأنّ الله جعل تعذيبَهم معلَّقًا على بعثته صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وفي الآية الثالثة: دليل على أنّه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وقد أخرج الحاكم في المستدرك وصحّح إسناده وأقرّه الذهبي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا أيّها الناس إنّما أنا رحمةٌ مهداةٌ».
وفي الآية الرابعة: الأمر بالفرح بفضل الله وبرحمته فيكون الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم مأمورًا به شرعًا بهذا الاعتبار لأنّه فضلٌ من الله على المؤمنين ورحمةٌ منه لهم وقد جعل الله ظهور ما أمده الله به من المعجزاتِ في عالَمِ الغيب مَنوطًا بظهور جسمه الشريف في عالَمِ الشهادة، ولا شكَّ أنَّ الفرح بمعجزةٍ واحدةٍ على انفرادها من أحسن مقاصد الشرع لدلالته على كمال الإيمان بمن ظهرت على يديه من الأنبياء فكيف بنا إن كان فرحُنا بظهور جسمه الشريف صلى الله عليه وسلم الجامع لجميع المعجزات المتفرقة في الأنبياء.
وفي الآية الخامسة: أنَّ عيسى عليه السلام بشَّر به صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيما رواه أحمد في المسند ج4 ص127 والطبراني والبزَّار وابن حبَّان وصحّحه والبيهقي في الدلائل والحاكم في المستدرك ج2 ص600 وصحّح إسناده وأقرّه الذهبي كلّهم عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «إني عند الله خاتم النبيئين وإنّ آدم لمنجدلٌ في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوةُ أبي إبراهيم وبشارةُ عيسى بي ورؤيا أمِّي التي رأت وكذلك أمّهات النبيئين يرين وإنَّ أمَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاء ت له قصورُ الشام».
وفي الآيتين السادسة والسابعة: أنّ الله سلَّم على بعض أنبيائه في أيَّام مواليدهم وأيَّام موتهم وأيَّام بعثهم وما ذلك إلاّ من تعظيمه لشأنهم في تلك الأحوال وتعظيمه لشأن تلك الأيام ويدل على صحة هذا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تكلَّم على فضائل يوم الجمعة بدأ بذكر فضيلة خَلْقِ آدم فيه -كما في صحيح مسلم- فقال: «أفضلُ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خُلقَ آدم »، فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ أفضليةَ يومِ الجُمُعةِ حصلَتْ له بالدرجة الأولى بخَلْقِ آدم فيه.
وفي صحيح مسلم أيضا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال « فيه ولدت وفيه أُنزِلَ علي »، فبدأ بذكر فضيلة مولده صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم ثمّ ثنَّى بذكر فضيلة نزول القرآن عليه فيه وفي هذا الحديث أنّ الله فضَّلَ يوم الاثنين لكونه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اختَصَّ يومَ مولده ببعض العباداتِ وقد أخرج الحاكم في مستدركه وصحّحه ووافقه الذهبي أنَّ العبَّاسَ بنَ عبد المطلب رضي الله عنه امتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقطعة قال فيها:
وأنت لَمَّا وُلدت أشرقت الأَرْ= = ض وضاء ت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـنـْ = = نُـور وسُبْلِ الرشاد نخترق.
وقال حسان بن ثابت في إحدى قصائده التي يرثي بها النبي صلى الله عليه وسلم كما في تاريخ بن كثير ج5 ص280:
وبالجمرة الكبرى له ثَمّ أَوْحَشَتْ = = ديارٌ وعَرْ صاتٌ وربعٌ ومولدُ
وفي دلائل النبوة للبيهقي ج1 ص 120 والدلائل لأبي نعيم ص96 وسيرة بن هشام ج1 ص11 وتاريخ الطبري ج3 ص131 أنَّّه صلى الله عليه وسلم لمَّا وُلِدَ ارتجَّ إيوانُ كسرى وسقطت منه أربعَ عشرةَ شُرْفَةً من شُرَفِهِ وخمدت نارُ فارسَ ولم تخمد قبل ذلك بألفِ عامٍ وغاضت بحيرةُ سَاوَةَ.
وقال الحافظ ابن كثير في كتابه مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 52 بعد كلامٍ مانصّه : والمقصود الآن أنّ ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ليلةً شريفةً عظيمةً مباركةً سعيدةً على المؤمنين طاهرةً ظاهرةَ الأنوار جليلةَ المِقدَارِ أبْرَزَ الله فيها الجوهرةَ المصونةَ المكنونةَ التي لم تزل أنوارُها مُنتقِلَةً من كل صُلبٍ شريفٍ إلى بطنٍ طاهرٍ عفيفٍ من نكاحٍ لا من سِفاحٍ من لَدُنْ آدمَ أبي البشر إلى عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى آمنةَ بنت وهبٍ الزهرية فولدته في هذه الليلة الشريفة المنيفة فظهر له من الأنوار الحسِّيَّةِ والمعنوية ما بَهَرَ العقولَ والأبصارَ كما شهدت بذلك الأحاديثُ والأخبارُ عند العلماء الأخيار، هذه عبارته.
وأمّا أدلَّةُ عمل المولد الشريف من السنة فمنها ما ذكره السيوطي في الحاوي للفتاوي ج1ص229 -230، فقال ما لفظه: وقد سُئل شيخُ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصُّه: أصلُ عمل المولد بدعةٌ لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى ولكنَّها مع ذلك قد اشتملت على محاسنَ وضدَّها فمن تحرَّى المحاسن وتجنَّبَ ضِدَّهَا كان بدعةً حسنةً وإلا فلا، قال وقد ظهر لي تخريجُها على أصلٍ ثابتٍ وهو ما ثبت في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قدِمَ المدينة فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ فسألهم، فقالوا: "هو يومٌ أغرق الله فيه فرعون ونجَّى موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى".
فيُستفادُ منه فعلُ الشكر لله على ما منَّ به في يومٍ معيَّنٍ من إسداء نعمةٍ أو دفع نقمةٍ ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كلِّ سنةٍ، والشكرُ لله يحصُـلُ بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمةٍ أعظم من النعمة ببروز هذا النبيّ نبيّ الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليومُ بعينه حتى يُطابق قِصَّةَ موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يُلاحظ ذلك لا يبالي بعملِ المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلَّق بأصل عمله.
وأما ما يُعمَلُ فيه فينبغي أن يُقتصَر فيه على ما يُفْهِمُ الشكرَ لله تعالى من نحو ما تقدَّم ذكرُه من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيءٍ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعملِ للآخرة، وأما ما يَتْبعُ ذلك من السَّماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيُمنَعُ وكذا ما كان خلاف الأولى. هذه عبارة الحافظ ابن حجر ثمّ قال: السيوطي عقبها:
" قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة مع أنَّه قد ورد أنَّ جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيُجعل ذلك على أنَّ الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهارٌ للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعٌ لأمَّته كما كان يصلِّي على نفسه لذلك فَيُستَحبُّ لنا أيضًا إظهارُ الشكر بمولده بالاجتماعِ وإطعامِ الطعامِ ونحوِ ذلك من وجوهِ القُرُباتِ وإظهار المَسرَّاتِ، هذه عبارة السيوطي.
قلت: وقد ظهر لي أنا تخريجُ عملِ المولد على أصلٍ ثالثٍ وهو ما ثبت في الصحيحين: " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قُباءَ كل سَبْتٍ راكبًا وماشيًّا". قال ابن حجر في الفتح ج3 ص69 ما لفظه: وفي هذا الحديث على اختلاف طرقه دلالةٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك.

وقال القسطلاني في المواهب اللدنية ج1 ص261 ما لفظه: ولا زال أهلُ الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويُظهرون السرور ويزيدون في المَبرَّاتِ ويعتنون بقراء ة مولده الكريم ويَظْهَرُ عليهم من بركاته كلُّ فضلٍ عميمٍ.
هذا وبعضُ المتنطِّعين اليوم يقولون إنّ من احتفل بميلاده صلى الله عليه وسلم يوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل فقد احتفل بتاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم أيضا.
والحقيقة أن القول باتِّفاق تاريخ المولد والوفاة قولٌ باطلٌ ؛ بل تاريخهما متغايرٌ تغايرًا يُثبته ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ ، قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عًلًيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، قال عمر: « قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة».
قلت: وبناء على هذا الحديث الصّحيح : فإنه لا شك في نزول الآية الكريمة يوم:( الجمعة 9 من ذي الحجة)، كما أنّه لا خلاف عند العلماء في وفاته صلى الله عليه وسلم ( في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول)، وكما لا خلاف حسابيًّا في استحالة موافقة(12 ربيع الأول) ليوم الاثنين(يوم وفاته صلى الله عليه وسلم )، لأن أيَّام الاثنين الأوائل من ربيع الأوّل الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم توافق(6 و13) منه على افتراض كمال كلٍّ من شهر ذي الحجة ومحرم وصفر:(30 يوما)؛ وتوافق(7 و14) منه، على افتراض كمال اثنين من هذه الأشهر، وتوافق(1 و8 و15) منه، على افتراض كمال أحدها. وتوافق (2 و9 و16) منه، على افتراض نقصان الأشهر الثلاثة جميعا: (29 يوما).
وعليه يستحيل أن يكون ثاني عشر ربيع الأول من العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم غير يوم الأحد أو السبت أو الجمعة أو الخميس. ولا توجد صورة أخرى تحتمل كونه يوم الاثنين.
قلت: وبجميع ما تقدم يتبين بجلاءٍ لكلِّ منصفٍ يعلم مقاصد الشرع أنّ عمل المولد الشريف مخرَّجٌ على أُصولٍ ثابتةٍ من كتاب الله وصحيح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنّ إحياء ليلة مولده صلى الله عليه وسلم ويومِها كلَّ سنةٍ بصالح الأعمال شكرًا لله على نعمته ببروز جسم سيِّدِنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مع مُراعاةِ الحدود الشرعية في هذا العمل من أفضل القُرُبَاتِ لما فيه من التَّعرُّضِ لنفحاتِ الرَّبِّ في فاضلِ الأوقاتِ، ولكون هذا العمل مشتمل على كثير من المعاني التي نصّت عليها نصوص الشّريعة وشهدت بصحّتها؛ مثل: ذكر الله تعالى وتلاوة ما تيسّر من القرآن والدّعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وذكر بعض معجزاته وصفاته وفضائله صلى الله عليه وسلم؛ وإنشاء وإنشاد ما تيسر من مدائحه صلى الله عليه وسلم. وإنفاق ما تيسّر من المال، فهذه الأعمال مطلوبةٌ شرعاً في أغلب أوقات كلّ مسلمٍ ولا يمكن بحالٍ من الأحوال استثناء زمن مولده صلى الله عليه وسلم من أوقات مطلوبيتها، ثمّ إنّ العلماء الذين نصروا عمل المولد واستنبطوا له الأصول الشرعية الّتي ينبني عليها، قد فرّقوا بين حكم أصل عمله وحكم المخالفات الّتي قد تقع في بعض الأماكن أثناء الاحتفال به، فاستحسنوا أصل العمل واستصوبوه وردّوا المخالفات الشّرعية ومنعوها. فلا وجه إذًا لإنكار إظهار البشر والاحتفاء والاحتفال به في ليلة مولده صلى الله عليه وسلم التي أجمع العلماء على فضلها وعلى استحباب رصد اللّيالي والأيّام الفاضلة من كلّ سنةٍ للإكثار من أعمال الخير فيها.
وقد رجّح كثيرٌ من العلماء كونَها أفضل من ليلة القدر كما ذكر المفتي الشيخ: عطية صقر في فتاوى الأزهر (ج10 ص189). وممن نصّ على ذالك ابنُ مرزوق في جنا الجنّتين في فضل اللّيلتين كما في المعيار(ج11، ص280). وكذا الشّرواني في حاشيته على تحفة المحتاج (ج2 ص405) وإسماعيل حقّي في روح البيان في تفسير القران( ج 6 ص 340) وغيرهم. وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق.

تمَّ تأليفُ: القول المبينْ في حُكْمِ عملِ مَولدِ سيِّدِ المُرسَلِينْ
من إنشاء وإملاء: محمَّد مفتاح بن صالح التجاني الإبراهيمي.
من موقع التيسير